خاطرة

منوش الدكنجي الجزء 6

يعد منوش الدكنجي او البقال من أبرز الشخصيات في العالم المنوشي , و هو يعادل مختار الحي رتبة , إلا أنه ليس الشخصية الأقوى , لكنه يبقى ركيزة أساسية و مدماكاً مهماً . 
يتصف الرجل بالغلاظة و “تقل الدم” , و يتعمد إستعمال المعايير المزدوجة و التسلط على الناس الذين يقصدون دكانه . 
في تعاطيه مع أطفال الحي تتجسد خصاله السيئة و ضيق صدره , فتجده لا يطيق صبراً على ولد يختار ما يشتهيه من سكاكر و حلويات بتأن و هدوء و ذلك حرصاً من الولد على نوعية ما يشتريه , فيما أن منوش يريد له التفكير بالكمية لأن ذلك أربح له و أضمن لمصالحه الشخصية الضيقة , فإن إستغرق الولد في عملية الإختيار , نهره منوش بشدة و صرخ فيه : خود شو بدك و خلصني و حل عن سما ربي . 
أما إن طفح به الكيل و ضاق ذرعاً , إنتقل إلى ممارسة العزل و الإقصاء , فضلاً عن الإحتكار و أبعد الولد من حنة سكاكره قائلاً : تعا خود الخمسمية و حل عني ما بدي بيعك . 
و قد باتت صورة الرجل في وجدان أطفال الحي مرتبطة بالطاغية المتسلط , و لكنهم لا يملكون فعل شيء تجاه ذلك على قاعدة “حاكمك طيعو ” .
أما ربات البيوت و سيدات المنطقة فمصيرهن لا يختلف كثيراً عن مصير أولادهن , ذلك أنهن أيضاً عرضة لممارسات يتفنن من خلالها في أساليب الفرض و التدخل فيما يتعلق بخياراتهن المصيرية بالنسبة للعائلة . 
تدخل مثلاً إلى دكان منوش السيدة أم أربعة و أربعين , و هي تريد شراء صلصة الطماطم كي تعد وجبة من السباغيتي عملاً ببرنامج التنحيف الذي فرضه عليه زوجها . و بما أن الوجبة أجنبية , و الجو الطاغي في البلد متعدد الجنسيات , تقرر اللجوء إلى ماركة أجنبية تماشياً مع ما تقدم , و لكن منوش يصر عليها أن تأخذ صلصة ماركة الطاووس الوطنية , و يمنع عنها الماركة الأجنبية , علماً أنه لا يفعل ذلك لدواع وطنية أو بغرض تشجيع الصناعة المحلية , و لكن لوجود عرض على الماركة الأجنبية و هو يفضل إستغلال هذه السلعة لتبييض “الوج” مع زبونة أهم . و إن أصرت السيدة على طلبها , أصدر منوش حكمه القاطع : شو بعرفك إنت , أنا بعرف أكتر منك خلص هيدي أحسن . و ينتهي النقاش عند هذا الحد . 
أما حين يتعلق الأمر بمساحيق الغسيل , فتنقلب الآية تماماً , إذ تدخل واحدة من عروبيات الحي تطلب منظفاً من الإنتاج العربي و ذلك تمسكاً بخياراتها العروبية الأصيلة , و توفيراً في نفقات الخزينة العائلية , يصدها منوش عن مبتغاها , و يعمل بوحي من تحالفاته الغربية , و يلج عليها في شراء منتج أجنبي لتلاقي منفعته مع شركات المساحيق العالمية . و قد أدت هذه التناقضات إلى وقوع بلبلة بين أهالي الحي في تقييمهم لخيارات الرجل السياسية و توجهاته الفكرية , و لكن ما لا يدركه أحد أنه رجل متلون و متقلب و همه مصلحته , يعني بكل بساطة “ما إلو رب ” . 
و حين يتعلق الأمر بتعاطيه مع الرجال تتبدى لدى الرجل نزعة الفساد واضحة جلية , و تبرز كل هناته السقيمة , حيث ينصب نفسه مدعياً و قاضياً و يتكفل بتحصيل ما يلائمه من شهادات . 
فحين يأتي رجال الحي لتسديد ما تراكم عليهم م ن ديون على مدار الشهر , بعدما يكون منوش قد “هراهم نقاً ” بوجوب دفع المتوجب عليهم , متخذاً لنفسه صفة الإدعاء الشخصي , تقع فصول المحاكمة التي تختم بنهب معاش المساكين عن بكرة أبيها . 
يأتي الرجال إلى يوم الحساب و هم في حالة ” يا غافل إلك الله ” و في نيتهم مراجعة الحسابات , و هنا يخرج منوش صحف الأرقام التي تلاعب بها سلفاً , و هذه الأوراق هي بمثابة شهود الزور , و يطالب بمبالغ لم تكن تخطر على بال المراجعين , حتى لو كانت الشهادات محرفة بشكل فاضح . 
و من الأمثلة على ذلك ما نقله أحد المتهمين عن ورقة حساب ورد فيها بند أصابه بالجنون و أفلت أعصابه من عقالها , فحين عدد منوش ديون صاحبنا الطيب الذكر وصل إلى رقم مرتفع تحت عنوان ” أشياء و كذا ” , و عبثاً حاول المسكين أن يفهم معنى الأشياء و الكذا و لكن دون جدوى , و تحت تهديد منوش بقطع الإمداد عنه و عن عائلته رضخ للمطلب المزيف و إنتهى به الأمر بدفع المتوجب و من ضمنه قيمة الأشياء و الكذا . 
و حرصاً منه على سلامة المحاكمة يدخل منوش في جدال بيزنطي عقيم مع المتهمين في حركة يسميها زوراً بالحوار و المرافعة , ليصدر بعدها حكمه المبرم و يحقق عدالته المزاجية و ينام ليلاً مرتاح الضمير . 
و المتمعن في دكان منوش تقع عيناه على منوشية صارخة تسم كل زاوية فيه , حيث تستحكم الفوضى بالمكان بسبب “قلة مروة ” الأخ , زد على ذلك الإنتشار الكثيف للغبار في الزوايا المظلمة , تلك الزوايا التي ستفاجأ حتماً إن وصلتها أشعة الشمس يوماً ما . 
و بما أنه يحب أن يوحي إلى الناس بأنه رجل عتيق و له جذور عريقة ضاربة في التاريخ , يحتفظ منوش في دكانه بآثار تاريخية لم تعد موجودة إلا في الذاكرة الشعبية كعلب سجائر ططلي و الحمراء و بافرا , و هذا ما جعل الناس يقولون عنه أنه أصيل و يصدقونه حين يقول أن من لا قديم له , لا جديد له . 
و من فرط بخل الرجل و تقشفه , يزهد على دكانه بأي عمل من أعمال الصيانة الدورية , و لذلك حين يفتح مثلاً براد الألبان و الأجبان , يصحب ذلك صوت صرير حاد يحيي يكاد يحيي ميتاً قابعاً في تابوت يشبهه البراد تماماً .
كما أن بخله منعه من إقتناء خزنة , أو وضع أمواله في البنك , فهو يحب أن يدع أمواله قريبة منه حيث يهنأ برؤيتها ساعة يريد , و لذلك فهو حين ينتهي من إحصاء ما جنته يداه في آخر النهار , يقوم بوضع المبلغ في كيس أسود , و يعمد إلى دفنه في برميل الرز أو السكر داخل دكانه . 
المؤسف أن الجرذان إن وجدت الكيس لن تدري ما تصنع به , صدق من قال : الله بيعطي الحلاوة للي بلا سنان .

بفضل كل هذه الخصال العاطلة , و الألاعيب الماكرة , و أساليب الإيحاء و التحايل صار منوش الدكنجي مركز قوة مؤثرة , فهو التاجر الذي يتحكم بالعجلة الإقتصادية للحي بأكمله . 
و التاجر فاجر كما تعلمون . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق